العيني

277

عمدة القاري

عليه وسلم ناسٌ عنِ الكُهَّانِ ، فقال : لَيْسَ بِشَيءٍ . فقالُوا : يا رسولَ الله ! إنهُمْ يُحَدِّثُونا أحْياناً بِشيءٍ فَيكُونُ حَقًّا ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها مِنَ الجِنِّيِّ فَيَقُرُّها في أُذُنِ ولِيِّه فَيَخْلِطُونَ مَعَها مائَةَ كَذْبَةٍ ، قال عَلِيٌّ : قال عبْدُ الرَّزَّاقِ : مُرْسَلٌ ، الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ ، ثُمَّ بَلغَني أنَّهُ أسْنَدَهُ بَعْدهُ . مطابقته للترجمة في قوله : ( عن الكهان ) وعلي بن عبد الله بن المديني ، ويحيى بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي المدني ، يروي عن أبيه عروة ، والظاهر أن الزهري فاته هذا الحديث عن عروة مع كثرة روايته عن عروة ، فجعله عن ابنه يحيى وليس ليحيى في البخاري إلاَّ هذا الحديث ، ويحيى وقع عن ظهر بيت تحت أرجل الدواب فقطعته . والحديث أخرجه البخاري في التوحيد عن أحمد بن صالح وفي الأدب عن محمد بن سلام . وأخرجه مسلم في الطب عن عبد بن حميد وغيره . قوله : ( سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ ) وفي رواية الكشميهني : سأل ناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند مسلم من رواية معقل مثله . قوله : ( فقال : ليس بشيء ) أي : ليس قولهم بشيء يعتمد عليه ، وفي رواية مسلم : ليسوا بشيء . قوله : ( يحدثونا ) ويروى يحدثوننا بنونين على الأصل . قوله : ( حقاً ) أي : واقعاً ثابتاً ، وليس المراد به ضد الباطل . قوله : ( تلك الكلمة من الحق ) كذا بحاء مهملة وقاف ، ووقع في مسلم : تلك الكلمة المسموعة من الجن . وقال النووي : كذا في نسخ : بلادنا ، بالجيم والنون ، أي : الكلمة المسموعة من الجن ، وقال : حكى عياض أنه وقع في مسلم بالحاء والقاف . قوله : ( يخطفها من الجني ) هكذا رواية السرخسي أن الكاهن يخطفها من الجني ، وفي رواية الأكثرين : يخطفها الجني ، والخطف الأخذ بالسرعة ، وفي رواية الكشميهني : يحفظها ، بتقديم الفاء بعدها ظاء معجمة من الحفظ . قوله : ( فيقرها ) بفتح الياء والقاف وتشديد الراء ، أي : يصبها ، تقول : قررت على رأسه دلواً إذا صببته فكأنه صب في أذنه ذلك الكلام ، وقال القرطبي : ويصح أن يقال : معناه ألفاها في أذنه بصوت يقال : قر الطائر إذا صوت ، وفي رواية يونس : فيقر قرها ، أي : يرددها . يقال : قرقرت الدجاجة تقرقر قرقرة إذا رددت صوتها ، وقال الخطابي : ويقال أيضاً : قرت الدجاجة تقرقراً وقريراً ، وإذا رجعت في صوتها يقال : قرقرت قرقرة وقرقرية ، والمعنى أن الجني إذا ألقى الكلمة لوليه تسامع بها الشياطين فيناقلوها كما إذا صوتت الدجاجة فسمعها الدجاج فجاوبتها . قوله : ( في إذن وليه ) أي : الكاهن إنما عدل من الكاهن إلى قوله : ( وليه ) للتعميم في الكاهن وغيره ممن يوالي الجن . قوله : ( مائة كذبة ) وفي رواية ابن جريج : أكثر من مائة كذبة ، ويدل هذا على أن ذكر المائة للمبالغة لا للتعيين . قوله : ( كذبة ) بالفتح وحكي الكسر ، قال بعضهم : وأنكره بعضهم لأنه بمعنى الهيئة والحالة وليس هذا موضعه . قلت : هذا موضعه لأن كذبتهم بالكسر تدل على أنواع الكذبات ، وهذا أبلغ من معنى الفتح على ما لا يخفى قوله : ( قال علي ) هو ابن المديني ، ( قال عبد الرزاق : هو مرسل الكلمة الحق ) أراد أن ابن المديني قال : إن عبد الرزاق كان يرسل هذا القدر من الحديث ، ثم إنه بعد ذلك وصله بذكر عائشة فيه ، وقد أخرجه مسلم عن عبد بن حميد من حديث عبد الرزاق موصولاً كرواية هشام بن يوسف عن معمر . 47 ( ( بابُ السِّحْرِ ) ) أي : هذا باب في بيان السحر وأنه ثابت محقق ، ولهذا أكثر البخاري في الاستدلال عليه بالآيات الدالة عليه . والحديث الصحيح وأكثر الأمم من العرب والروم والهند والعجم بأنه ثابت وحقيقته موجودة وله تأثير ، ولا استحالة في العقل في أن الله تعالى يخرق العادة عند النطق بكلام ملفق أو تركيب أجسام ونحوه على وجه لا يعرفه كل أحد ، وأما تعريف السحر فهو أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا يتعذر معارضته ، وأنكر قوم حقيقته وأضافوا ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقيقة لها ، وهو اختيار أبي جعفر الاستراباذي من الشافعية وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن حزم الظاهري ، والصحيح قول كافة العلماء يدل عليه الكتاب والسنة . فإن قلت : ما وجه إيراد : باب السحر ، في كتاب الطب ؟ قلت : لا شك أن السحر نوع من المرض وهو يمرض المسحور ، ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما والله لقد شفاني ) على ما يأتي عن